تغطي دراما المواتين مجموعة واسعة من المواضيع، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر: الموضة، وأسلوب الحياة، والصحة، والسياسة، والأعمال، والترفيه، والرياضة، والعلوم.

Shopping cart

Subtotal: $4398.00

View cart Checkout

أخبار عاجلة:
فلاي شامفلاي شام
 الصفحة الرئيسية هات من الآخر 

دراجات دمشق.. حين تتحول وسيلة النقل إلى فوضى تهدد المدينة
- هات من الآخر -

دراجات دمشق.. حين تتحول وسيلة النقل إلى فوضى تهدد المدينة

لم تعد الدراجات النارية في دمشق مجرد وسيلة نقل سريعة واقتصادية يلجأ إليها البعض لتجاوز أزمة المواصلات أو تأمين لقمة العيش. في بعض شوارع العاصمة، تحولت فئة من مستخدميها إلى مصدر يومي للخطر والفوضى والإزعاج، وسط قيادة متهورة، ومخالفات مرورية متكررة، وأصوات عوادم تصم الآذان، وممارسات تجعل المواطن يشعر أن الشارع فقد جزءاً من هيبته وقوانينه.

المشكلة ليست في الدراجة النارية كوسيلة نقل، ولا في كل من يقودها. المشكلة في أن يتحول استخدامها إلى سلوك بلا قانون: سير عكس الاتجاه، تجاوز الإشارات، القيادة بسرعة جنونية بين السيارات والمارة، الاستعراض على عجلة واحدة، استخدام العوادم المزعجة، وقيادة دراجات غير مستوفية للشروط القانونية والفنية.

وقد سبق لمحافظة دمشق أن أصدرت تعاميم للحد من انتشار الدراجات النارية داخل المدينة، على خلفية الحوادث والمخاوف المتعلقة بالسلامة العامة، وصولاً إلى حجز الدراجة وفرض الغرامات، والمصادرة عند تكرار المخالفة.

من مخالفة مرورية إلى تهديد يومي

المشهد في بعض الشوارع بات مألوفاً ومقلقاً في آن واحد: دراجة تخرج فجأة من بين السيارات، وأخرى تسير بعكس الاتجاه، وثالثة تعبر الإشارة الحمراء، ورابعة تنطلق بسرعة بين المشاة وكأن الطريق ملك خاص لسائقها.

هذه ليست مجرد مخالفات صغيرة يمكن التغاضي عنها.

إنها سلوكيات قد تنتهي بثانية واحدة إلى دهس إنسان، أو اصطدام بسيارة، أو سقوط طفل، أو إصابة سائق أو أحد المارة.

والأخطر أن بعض السائقين يتعاملون مع المخالفة وكأنها مهارة أو شطارة، بينما هي في الحقيقة استهتار بحياة الآخرين وحياة السائق نفسه.

وتشير بيانات وتقارير حديثة إلى حجم المشكلة؛ فقد نقلت تقارير في 2026 تسجيل مئات الحوادث المرتبطة بالدراجات النارية في دمشق، بينها وفيات، في مؤشر واضح إلى أن الأمر لم يعد مجرد قضية تنظيم مروري بسيطة.

عندما يصبح صوت المحرك اعتداءً على راحة الناس

ليس الخطر وحده ما يزعج سكان دمشق.

هناك مشكلة أخرى أصبحت جزءاً من الحياة اليومية: الضجيج.

محرك معدّل، وعادم مفتوح، وتسارع مفاجئ في منتصف الليل، وقيادة استعراضية في الأحياء السكنية؛ كل ذلك يحول بعض الشوارع إلى مصدر دائم للضوضاء.

المواطن الذي يريد النوم بعد يوم طويل من العمل لا يجب أن يكون مضطراً لسماع أصوات المحركات وهي تمزق هدوء الحي. والعائلة التي لديها أطفال أو كبار سن لا ينبغي أن تدفع ثمن استهتار شخص قرر أن يجعل الشارع ساحة لاستعراض قوة دراجته.

لقد أصبح حق الناس في الهدوء والعيش بأمان جزءاً من القضية، وليس تفصيلاً هامشياً.

والأسوأ: استغلال الدراجات في الجرائم

تزداد المخاوف عندما تدخل الدراجة النارية في بعض الجرائم، ولا سيما السرقة والنشل والفرار السريع من مكان الجريمة.

وهنا يجب أن نكون دقيقين: ليس كل سائق دراجة مجرماً، ولا يجوز اتهام أصحاب الدراجات بصورة جماعية. لكن استخدام بعض المجرمين للدراجات كوسيلة لتنفيذ السرقة ثم الهروب بسرعة يجعل ضبط الدراجات مجهولة المصدر أو غير المرخصة، والتأكد من هوية سائقيها، قضية أمنية مهمة أيضاً.

وقد ظهرت في سوريا تقارير عن استخدام الدراجات في عمليات نشل وسرقة في مدن أخرى، الأمر الذي يعزز الحاجة إلى تشديد الرقابة على الدراجات غير النظامية ومجهولة الملكية.

المطلوب ليس معاقبة الإنسان لأنه يمتلك دراجة، وإنما منع أن تتحول الدراجة إلى وسيلة تسهّل الجريمة أو الهروب من العدالة.

القانون موجود.. لكن السؤال: أين التطبيق؟

المشكلة الكبرى ليست دائماً غياب القوانين.

فدمشق شهدت بالفعل قرارات وتعاميم واضحة لتنظيم حركة الدراجات النارية، كما نُفذت حملات حجز ومصادرة بحق المخالفين. وأعلنت الجهات المعنية عن حجز أعداد كبيرة من الدراجات المخالفة في إطار حملات التنظيم.

لكن أي قانون يفقد جزءاً كبيراً من قيمته إذا كان تطبيقه متقطعاً.

المواطن يريد أن يرى قاعدة واضحة:

من يخالف يُحاسب، ومن يلتزم يُترك وشأنه.

لا فرق بين دراجة وسيارة عندما يتعلق الأمر بالإشارة الحمراء أو السير عكس الاتجاه أو القيادة المتهورة أو تعريض حياة الآخرين للخطر.

بل إن بعض المخالفات المرتكبة بالدراجات تحتاج إلى حزم أكبر، لأن خفة الدراجة وسرعتها وقدرتها على التسلل بين السيارات تجعل نتائج القيادة المتهورة أكثر خطورة.

دمشق ليست حلبة سباق

هذه الرسالة يجب أن تكون واضحة:

شوارع دمشق ليست حلبة سباق، وليست مساحة للاستعراض، وليست ملكاً لسائق الدراجة أو السيارة وحده.

هي ملك للجميع.

للطفل الذي يعبر الطريق، وللعجوز الذي يمشي ببطء، وللطالب، وللعامل، وللسائق، ولصاحب المحل، وللعائلة التي تريد أن تنام بسلام.

ومن حق هؤلاء جميعاً أن يشعروا بالأمان في مدينتهم.

لذلك فإن معالجة أزمة الدراجات لا يجب أن تكون حملة مؤقتة تنتهي بعد أيام، ثم تعود المخالفات تدريجياً إلى الشوارع.

المطلوب خطة دائمة تبدأ بتسجيل الدراجات وضبط ملكيتها وأوراقها، مروراً بالفحص الفني ومنع العوادم المعدلة والمزعجة، ووصولاً إلى مراقبة المخالفات وتطبيق العقوبات بشكل مستمر، مع التشدد خصوصاً في القيادة المتهورة والسير عكس الاتجاه وقطع الإشارات.

كما يجب أن تكون هناك إجراءات واضحة بحق القاصرين الذين يقودون دون أهلية قانونية، وبحق من يحول الدراجة إلى أداة لإرهاب الآخرين أو ممارسة الاستعراض في الشوارع.

لا نريد حرباً على الدراجات.. نريد حرباً على الفوضى

من المهم ألا تتحول القضية إلى صراع بين المجتمع وأصحاب الدراجات.

فالكثير من السوريين يعتمدون على الدراجة النارية في العمل والتنقل، وخصوصاً في ظل صعوبات النقل وارتفاع تكاليف المعيشة. وقد أكدت تقارير رسمية أن للدراجات أهمية اقتصادية ومعيشية لشريحة من المواطنين.

لكن الحاجة الاقتصادية لا تعني الحصول على رخصة مفتوحة لمخالفة القانون.

يمكن أن تعمل الدراجة، ويمكن أن تكون وسيلة رزق، ويمكن أن تخدم المواطنين، لكن ضمن القانون.

ومن هنا يجب أن تكون المعادلة بسيطة:

دراجة مرخصة + سائق ملتزم + قيادة آمنة = لا مشكلة.

أما:

دراجة مجهولة أو مخالفة + قيادة متهورة + ضجيج + مخالفة للقوانين + تعريض الناس للخطر = مشكلة يجب أن تتدخل الدولة لحسمها.

دمشق تستحق شوارع أكثر أمناً

لقد عانت دمشق طويلاً من أزمات كثيرة، وليس من العدل أن يضاف إليها نوع جديد من الفوضى يمكن ضبطه بالقانون.

المطلوب اليوم ليس بيانات جديدة فقط، ولا حملات إعلامية مؤقتة، وإنما تطبيق مستمر وحازم وعادل.

فمن يسرق يجب أن يحاسب، ومن يقود بطريقة تعرض حياة الناس للخطر يجب أن يحاسب، ومن يزعج الأحياء ليلاً يجب أن يحاسب، ومن يقود عكس السير أو يكسر الإشارات يجب أن يتحمل نتيجة فعله.

وفي المقابل، من يقود دراجته بطريقة نظامية وآمنة ويحترم الآخرين، يجب ألا يُعامل كمخالف لمجرد أنه يستخدم دراجة نارية.

المشكلة ليست في العجلتين.

المشكلة في الفوضى عندما تصبح أقوى من القانون.

ودمشق اليوم بحاجة إلى رسالة لا لبس فيها: الشارع للجميع، لكن القانون فوق الجميع.

فالمدينة التي تريد أن تستعيد أمنها ونظامها وهدوءها، لا يمكن أن تسمح بأن يصبح الخوف من دراجة مسرعة، أو ضجيج محرك في منتصف الليل، أو نشل حقيبة والفرار عبر الأزقة، جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية.

آن الأوان لأن تعود شوارع دمشق إلى أصحابها الحقيقيين: المواطنين الآمنين، والقانون، والنظام


هات من الآخر