تغطي دراما المواتين مجموعة واسعة من المواضيع، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر: الموضة، وأسلوب الحياة، والصحة، والسياسة، والأعمال، والترفيه، والرياضة، والعلوم.

Shopping cart

Subtotal: $4398.00

View cart Checkout

أخبار عاجلة:
فلاي شامفلاي شام
 الصفحة الرئيسية تريند بريس 

سوريا خارج قائمة الإرهاب... هل تبدأ رحلة الخروج من العزلة؟

سوريا خارج قائمة الإرهاب... هل تبدأ رحلة الخروج من العزلة؟

في الرابع والعشرين من أغسطس/آب 2026، أغلقت الولايات المتحدة صفحة امتدت قرابة سبعة وأربعين عامًا، بإزالة سوريا رسميًا من قائمة الدول الراعية للإرهاب. القرار الذي بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إجراءات تنفيذه في يوليو/تموز، بعد إخطار الكونغرس، لم يكن مجرد تغيير في قائمة أمريكية، بل يحمل أبعادًا سياسية واقتصادية وقانونية يمكن أن تؤثر في موقع سوريا في النظام الدولي وفي قدرتها على الخروج من آثار سنوات طويلة من الحرب والانهيار.

وقد رحبت دمشق بالقرار واعتبرته خطوة تاريخية نحو إعادة دمج سوريا في المجتمع الدولي وفتح الطريق أمام الاستثمار وإعادة الإعمار. كما رأت فيه واشنطن فرصة لمنح سوريا مجالًا أوسع لإعادة بناء اقتصادها ومؤسساتها بعد سنوات الحرب.

لكن السؤال الأهم ليس: ماذا يعني القرار للحكومة السورية؟
بل: ماذا يعني للسوري الذي ما زال يقف أمام طابور الخبز، أو يبحث عن عمل، أو يعيش في منزل متضرر، أو يخشى على أمن أسرته، أو لا يعرف ماذا يحمل له الغد؟

وهنا تكمن المسافة الكبيرة بين القرار السياسي وبين حياة الناس.

قرار مهم... لكنه ليس عصا سحرية

إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب خطوة ذات أهمية كبيرة؛ لأنها تزيل طبقة من القيود التي كانت تجعل التعامل مع سوريا أكثر صعوبة بالنسبة إلى المؤسسات المالية والشركات والمستثمرين، وتفتح المجال أمام توسع العلاقات التجارية والمالية، كما ترفع بعض القيود المرتبطة بهذا التصنيف في مجالات التمويل والتجارة والدفاع.

وهذا يعني، من الناحية النظرية، أن سوريا يمكن أن تصبح أكثر قدرة على جذب رؤوس الأموال، واستيراد التكنولوجيا والمعدات، وإعادة تأهيل قطاعات الطاقة والنقل والصناعة والاتصالات، والمشاركة بصورة أكبر في النظام المالي الدولي.

لكن رفع التصنيف لا يعني أن الأموال ستتدفق تلقائيًا إلى سوريا، ولا يعني أن المصارف العالمية ستفتح أبوابها في اليوم التالي، ولا أن الشركات ستبدأ فورًا في بناء المصانع والمشاريع.

فالاستثمار لا يبحث عن رفع العقوبات فقط، وإنما يبحث أيضًا عن الأمن، والاستقرار، والقانون، والقضاء، والشفافية، والقدرة على حماية رأس المال، ووضوح المستقبل السياسي.

وهذه كلها أسئلة لا تزال مفتوحة أمام سوريا.

السوري قد لا يشعر بالقرار غدًا

أكبر خطر في هذه اللحظة هو أن يتحول القرار إلى مناسبة للاحتفال السياسي، بينما تبقى حياة المواطن بعيدة عن نتائجه.

فالبيانات الدولية لا تزال ترسم صورة صعبة للأوضاع الإنسانية. الأمم المتحدة تشير إلى انتشار الفقر وانعدام الأمن الغذائي والحاجة إلى إعادة تأهيل واسعة للخدمات الأساسية، من الصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي إلى السكن، إضافة إلى مخاطر الألغام والذخائر غير المنفجرة التي لا تزال تهدد حياة المدنيين وتعرقل عودة السكان والتعافي.

وتشير بيانات حديثة إلى أن أكثر من 90 في المئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، مع استمرار البطالة على نطاق واسع.

وهذا يعني أن المواطن السوري لا يحتاج فقط إلى قرار أمريكي بإزالة اسم بلاده من قائمة الإرهاب، بل يحتاج إلى أن يرى أثر ذلك في راتبه، وفرصة عمله، وسعر السلع، والكهرباء، والماء، والدواء، والمدرسة، والسكن، والأمن.

فالسياسة الخارجية تصبح ذات قيمة حقيقية عندما تتحول نتائجها إلى تحسن في حياة الإنسان.

الاقتصاد هو الاختبار الأول

ربما يكون الاقتصاد هو المجال الذي يمكن أن تظهر فيه النتائج الأولى للقرار.

سوريا تحتاج إلى مليارات الدولارات لإعادة إعمار ما دمرته سنوات الحرب. وهي تحتاج إلى إعادة تشغيل قطاعات إنتاجية كاملة، وإصلاح شبكات الكهرباء والمياه والطرق، وإعادة تأهيل المصانع والمستشفيات والمدارس، وخلق فرص عمل لملايين السوريين.

إزالة تصنيف «الدولة الراعية للإرهاب» تزيل عقبة مهمة أمام هذا المسار، وقد تساعد في تحسين ثقة المؤسسات المالية والمستثمرين بسوريا. كما يمكن أن تسهم في إعادة فتح قنوات تجارية ومالية كانت شديدة التعقيد.

لكن نجاح هذه الفرصة سيعتمد على ما يحدث داخل سوريا بقدر ما يعتمد على القرار الأمريكي.

فإذا دخل الاستثمار إلى بيئة غير مستقرة، أو غابت الشفافية، أو أصبحت إعادة الإعمار مجالًا للمحسوبيات، فقد تتحول الأموال الجديدة إلى فرصة يستفيد منها عدد محدود، بينما يبقى المواطن العادي خارج دائرة الانتعاش.

لذلك فإن رفع اسم سوريا من قائمة الإرهاب يجب أن يترافق مع رفع مستوى الدولة في مكافحة الفساد، وحماية الملكية، واستقلال القضاء، وضمان المنافسة، وتوفير بيئة آمنة للمستثمر والعامل والمواطن على حد سواء.

الأمن... الحلقة الأصعب

إذا كان الاقتصاد يحتاج إلى سنوات حتى يتعافى، فإن الأمن يحتاج إلى بناء ثقة أعمق.

السوري الذي عاش سنوات من الحرب والاعتقالات والنزوح والقتل والدمار لا يستطيع أن يعتبر مجرد تحسن العلاقات الدولية نهاية للخطر.

فالأمم المتحدة ما زالت تصف المرحلة السورية بأنها هشة، مع استمرار احتياجات إنسانية كبيرة وتحديات أمنية وسياسية، رغم التحولات التي شهدتها البلاد منذ سقوط النظام السابق.

كما أن ملايين السوريين ما زالوا في أوضاع نزوح أو عودة، وهو ما يجعل الاستقرار الأمني شرطًا أساسيًا لأي مشروع حقيقي لإعادة بناء البلاد. وتشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى استمرار وجود أعداد كبيرة من اللاجئين والنازحين السوريين رغم حركة العودة المتزايدة.

ومن هنا، فإن رفع اسم سوريا من القائمة الأمريكية ينبغي ألا يُقرأ باعتباره شهادة بأن سوريا أصبحت آمنة، بل باعتباره فرصة جديدة أمام سوريا كي تثبت أنها قادرة على بناء دولة آمنة ومستقرة.

المستقبل الغامض

ربما تكون هذه هي المفارقة الأكبر في القرار.

سوريا تخرج من واحدة من أهم القوائم الأمريكية، لكنها لم تخرج بعد من أزمتها التاريخية.

فالبلاد تقف بين مرحلتين: مرحلة انتهت فيها الحرب الكبرى التي مزقت المجتمع والدولة، ومرحلة جديدة لم تتضح معالمها بالكامل بعد.

هناك فرصة لإعادة البناء، لكن هناك أيضًا خطر إعادة إنتاج أسباب الانهيار.

وهناك فرصة لعودة اللاجئين، لكن العودة تحتاج إلى مساكن وخدمات وفرص عمل وأمان وضمانات.

وهناك فرصة للاستثمار، لكن الاستثمار يحتاج إلى دولة مستقرة وقانون واضح.

وهناك فرصة لإعادة العلاقات مع العالم، لكن هذه العلاقات يجب أن تتحول إلى شراكة حقيقية لا إلى تبعية جديدة.

ولهذا فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل سوريا ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة قد رفعت اسمها من قائمة الإرهاب، بل: ماذا ستفعل سوريا بهذا القرار؟

من رفع العقوبة إلى بناء الدولة

قد يكون القرار الأمريكي واحدًا من أهم التحولات الخارجية التي شهدتها سوريا في العقود الأخيرة، لكنه في النهاية قرار أمريكي، بينما بناء سوريا مسؤولية سورية بالدرجة الأولى.

فالولايات المتحدة تستطيع أن تزيل تصنيفًا، وأن ترفع قيودًا، وأن تفتح أبوابًا سياسية واقتصادية. لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني مدرسة في قرية سورية، أو تؤسس نظامًا قضائيًا عادلًا، أو تعيد الثقة بين المواطن والدولة، أو تضمن أمن عائلة سورية، أو تعيد المهجر إلى منزله.

هذه مسؤولية الداخل السوري.

وإذا أحسنت السلطات السورية استثمار اللحظة، فقد يكون القرار بداية تحول اقتصادي وسياسي كبير. أما إذا بقيت الدولة أسيرة الصراعات الداخلية، أو لم تُبنَ مؤسسات قادرة على إدارة مرحلة ما بعد الحرب، فقد تضيع الفرصة كما ضاعت فرص كثيرة من قبل.

المواطن هو المقياس

بعد كل هذه السنوات، لا يريد السوري أن يسمع فقط أن بلاده أصبحت مقبولة دوليًا.

إنه يريد أن يشعر بأنه أصبح مقبولًا وآمنًا وكريمًا داخل بلاده.

يريد أن يعمل بدل أن يبحث عن الهجرة.

يريد أن يعود اللاجئ إلى منزله إذا أراد.

يريد كهرباء وماءً ودواءً وتعليمًا.

يريد أن يعرف أن القانون يحميه، وأن الخوف لم يعد جزءًا من حياته اليومية.

ويريد قبل كل شيء أن يعرف إلى أين تتجه بلاده.

لذلك فإن رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمكن أن يكون بابًا مفتوحًا، لكنه ليس الطريق نفسه.

الطريق الحقيقي يبدأ عندما تتحول إزالة العزلة الدولية إلى استثمار، ويتحول الاستثمار إلى إنتاج، ويتحول الإنتاج إلى وظائف، وتتحول الوظائف إلى حياة كريمة، ويتحول الاستقرار السياسي إلى أمن حقيقي، ويتحول الأمن إلى ثقة، وتتحول الثقة في النهاية إلى دولة يستطيع السوري أن يعيش فيها دون خوف من المستقبل.

سوريا اليوم أمام فرصة نادرة، لكن الفرص لا تصنع المستقبل وحدها. الذي يصنع المستقبل هو حسن استخدامها.

وبين احتفال سياسي بقرار أمريكي تاريخي، وبين واقع سوري ما زال مثقلًا بالفقر والدمار والخوف، توجد مهمة واحدة لا يمكن تأجيلها: أن يصبح رفع اسم سوريا من قائمة الإرهاب بدايةً لرفع المعاناة عن الإنسان السوري نفسه.


تريند بريس