
ليست القبور ساحةً لتصفية الحسابات، ولا هي ميدانٌ تُستعاد فيه الخصومات بعد أن انقطعت أعمال أصحابها، وإنما هي مواضع سكونٍ وهيبة، تُذكِّر الأحياء بمصيرهم، وتدعوهم إلى الاتعاظ لا إلى الانتقام.
لقد جاء الإسلام فأعلى من حرمة الإنسان حيًّا وميتًا، فلم يجعل الموت سببًا لسقوط الكرامة، بل بقيت للميت حرمته التي لا يجوز الاعتداء عليها. ومن هنا نهى الشرع عن نبش القبور بغير حق، أو التمثيل بالأموات، أو اتخاذ المقابر وسيلةً لإشباع الأحقاد والضغائن.
وقد ثبت عن النبي ? أنه قال: «كسر عظم الميت ككسره حيًّا»، وهو حديثٌ عظيم يقرر أن حرمة الميت باقية بعد وفاته، وأن الاعتداء عليه لا يقل في شناعته عن الاعتداء عليه في حياته. وليس المقصود بالعظم وحده، وإنما كل ما يمس جسد الميت أو قبره بغير حق.
ولذلك فإن نبش القبور بدافع الانتقام أو التشفي أو تصفية الخلافات يُعد من أبشع صور الاعتداء، لأنه يجمع بين انتهاك حرمة الميت، والاستخفاف بحرمة المقابر، وإحياء الأحقاد التي أمر الله بإطفائها. فالانتقام من الأحياء ظلم، أما الانتقام من الأموات فزيادة في الظلم والعدوان؛ إذ إن الميت قد انقطع عمله، وأصبح بين يدي ربه، فلا يملك لنفسه دفعًا ولا دفاعًا.
إن المقابر ليست أماكن للصراع، وإنما هي مواطن للعبرة. يقف عندها المؤمن متذكرًا قول الله تعالى: ?مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى? [طه: 55]، فيستحضر حقيقة الفناء، وأن الخصومات الدنيوية مهما عظمت فإنها تنتهي عند باب القبر، ويبقى الحساب عند الله وحده.
ومن المؤسف أن تشهد بعض المجتمعات ممارساتٍ يُستغل فيها قبر الميت للنيل من سمعته، أو العبث به، أو نبشه، أو تحويله إلى وسيلة للثأر بين الخصوم. وهذه أفعال لا يقرها دين، ولا يقبلها عقل، ولا تعرفها قيم المروءة والإنسانية. فحتى في أوقات الحروب، حفظ الإسلام للأموات كرامتهم، ونهى عن المثلة والتمثيل بالجثث، فكيف بمن مات بين أهله أو في مجتمعه؟
إن احترام القبور ليس احترامًا للأحجار أو التراب، وإنما احترامٌ لإنسانٍ أفضى إلى ما قدم، ولحرمةٍ شرعها الله، ولشعور أهل الميت الذين يجدون في الاعتداء على قبر فقيدهم جرحًا يتجدد كلما مروا به.
ولعل أخطر ما في نبش القبور بدافع الانتقام أنه يكشف عن انهيار الضوابط الأخلاقية؛ فالخصومة إذا تجاوزت حدود الحياة إلى انتهاك حرمة الموت، فقد بلغت مبلغًا خطيرًا من القسوة وانعدام الوازع الديني والإنساني.
إن المجتمع الذي يصون قبوره هو مجتمع يصون كرامة أفراده، ويؤمن بأن العدالة لا تتحقق بالثأر، وأن الحقوق تُطلب بالطرق المشروعة، لا بانتهاك حرمات من لا يستطيع الدفاع عن نفسه.
وفي الختام، تبقى القبور رسالة صامتة لكل حي: أن النهاية واحدة، وأن الخصومات تزول، وأن الذي يبقى هو العمل الصالح. فلا تجعلوا من المقابر ساحات انتقام، ولا من الأموات أهدافًا للأحقاد، فإن حرمة الإنسان لا تنتهي بموته، وإنما تمتد حتى يبعثه الله يوم القيامة، يوم لا ينفع ظلمٌ ولا انتقام، وإنما ينفع العدل والرحمة والتقوى.