
سيدي المسؤول... قبل أن نتحدث عن الاقتصاد والأرقام والنسب المئوية، أريد أن أسألك سؤالاً بسيطاً جداً... سؤال كل مواطن يخرج صباحاً من بيته.
كيف يستطيع راتبٌ ثابت أن يواجه أسعاراً تتحرك كل يوم؟
راتبي في آخر الشهر أصبح مجرد ورقة... أستلمها وأشعر أنني استلمت خبراً قديماً، لأن الأسعار سبقتني بأشهر.
أفهم تماماً معاناة المواطن، ولا أحد ينكر أن الظروف الاقتصادية صعبة. لكن يجب أن ننظر إلى الصورة كاملة.
الاقتصاد لا يعمل بمعزل عن الواقع. هناك ارتفاع عالمي في أسعار المواد الأولية، هناك نقص في الموارد، هناك أعباء إنتاج ونقل وطاقة، وهناك ظروف أثرت على القدرة الشرائية.
لكن المواطن لا يشتري "الصورة الكاملة" من السوق يا سيدي...
المواطن يدخل إلى محل الخضار، إلى الصيدلية، إلى متجر المواد الغذائية، ولا يسأل عن الاقتصاد العالمي ولا عن أسعار الشحن.
يسأل سؤالاً واحداً:
هل يكفيني راتبي لأعيش؟
عندما ترتفع أسعار المواد الأساسية بنسبة كبيرة، بينما يبقى الراتب مكانه، يصبح المواطن وكأنه يركض خلف قطار لا يستطيع اللحاق به.
أتفهم هذا الشعور، لكن زيادة الرواتب ليست قراراً بسيطاً كما يعتقد البعض.
فالزيادة النقدية دون وجود إنتاج حقيقي قد تؤدي إلى ارتفاع جديد في الأسعار، لأن كمية المال في السوق تزيد بينما السلع المتوفرة لا تكفي.
ولكن المشكلة يا سيدي أن المواطن يدفع ثمن كل شيء.
إذا زادت الأسعار يقولون: السبب قلة الإنتاج.
إذا نقصت المواد يقولون: السبب صعوبة الاستيراد.
إذا طالب المواطن بتحسين راتبه يقولون: الزيادة قد تسبب تضخماً.
في النهاية المواطن هو الحلقة التي تتحمل كل النتائج.
ليس الهدف تحميل المواطن المسؤولية، بل محاولة إدارة أزمة معقدة.
الدولة تواجه شحاً في الموارد، وتراجعاً في مصادر الدخل، وارتفاعاً في تكاليف تأمين المواد الأساسية.
لكن هنا يأتي السؤال الحقيقي:
إذا كانت الموارد قليلة، لماذا لا تكون هناك سياسة واضحة لحماية السلع الأساسية؟
لماذا لا تكون الأولوية للخبز، والدواء، والغذاء، والمواد التي تمس حياة المواطن اليومية؟
في كل اقتصاد يمر بأزمة، هناك سلع لا تُترك لقوانين السوق وحدها، لأنها ليست مجرد تجارة... إنها حياة الناس.
هذا الكلام صحيح من حيث المبدأ، ولهذا توجد محاولات لدعم بعض القطاعات وتأمين المواد الأساسية، لكن حجم الأزمة أكبر من الإمكانيات المتاحة.
الدعم يحتاج إلى موارد، والموارد اليوم محدودة.
لكن المواطن لا يطلب المستحيل.
لا يطلب قصوراً ولا رفاهية.
هو يريد أن يشعر أن راتبه له قيمة.
يريد أن يعرف لماذا يعمل ثماني ساعات أو عشر ساعات ثم يعود إلى منزله وهو عاجز عن تأمين احتياجات أسرته.
المشكلة ليست فقط في ارتفاع الأسعار...
المشكلة في شعور المواطن أن حياته أصبحت مشروع تقشف دائم.
وأنا أوافق أن الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن هو التحدي الأكبر.
لكن الحل لا يكون فقط بزيادة الرواتب، بل يحتاج إلى معالجة جذور المشكلة:
هذه حلول استراتيجية، ونحن نحتاجها.
لكن المواطن يعيش اليوم وليس بعد عشر سنوات.
هناك فرق بين علاج المرض وبين ترك المريض ينتظر حتى يأتي العلاج.
يجب أن يكون هناك حل إسعافي يحمي الناس من الانهيار اليوم، بالتوازي مع الحلول الطويلة الأمد.
أتفق معك أن المواطن يحتاج إلى إجراءات يشعر بها، وليس فقط خططاً مكتوبة.
لكن علينا أيضاً أن نكون صريحين:
الأزمة الاقتصادية ليست نتيجة قرار واحد، ولا يمكن حلها بقرار واحد.
هي تراكم سنوات من التحديات الداخلية والخارجية.
وأنا أيضاً أريد أن أكون صريحاً...
المواطن يستطيع تحمل الصعوبات عندما يشعر أن الجميع يتحملها معه.
لكن عندما يرى الأسعار ترتفع أسرع من راتبه، وعندما يشعر أن السلع الأساسية أصبحت عبئاً، يبدأ السؤال:
هل الاقتصاد يخدم الإنسان... أم أن الإنسان أصبح يدفع ثمن أزمة الاقتصاد؟
السؤال مشروع.
والإجابة يجب أن تكون عملاً وليس كلاماً.
فأي اقتصاد لا يستطيع حماية مواطنيه من الجوع والخوف هو اقتصاد يحتاج إلى مراجعة.
إذن نتفق على شيء واحد:
المواطن ليس رقماً في جدول اقتصادي.
هو الإنسان الذي يدفع الفواتير، ويربي أبناءه، ويحاول أن يعيش بكرامة.
والحل الحقيقي يبدأ عندما يصبح تحسين حياة المواطن هو المؤشر الأول لنجاح أي سياسة اقتصادية.