
في سوريا، لم تعد قصة الدراجات النارية مجرد وسيلة نقل، بل أصبحت مثالاً واضحاً على أزمة أكبر: أزمة القرارات التي تصدر ثم تتراجع، والقوانين التي تُعلن ولا تجد طريقها إلى التنفيذ.
ففي كل فترة يعود الجدل من جديد:
هل الدراجات النارية مسموحة أم ممنوعة؟
هل هي حل لأزمة النقل أم سبب للفوضى؟
هل المشكلة في وجودها أم في غياب تنظيمها؟
وبين قرار يمنعها وقرار يسمح بها، يبقى المواطن عالقاً بين تعليمات متناقضة، فيما يبدو أن الجهات المعنية لم تصل بعد إلى صيغة واضحة تنهي هذا الجدل المستمر.
هات من الآخر... المشكلة ليست بالدراجة بل بإدارة الملف
لا يمكن إنكار أن الدراجة النارية أصبحت بالنسبة للكثير من السوريين وسيلة أساسية لكسب الرزق والتنقل.
عامل التوصيل يعتمد عليها.
الشاب الذي يبحث عن عمل يستخدمها.
أصحاب المهن الصغيرة يجدون فيها وسيلة أقل تكلفة من السيارات.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل المشكلات المرتبطة بها:
إذن القضية ليست: دراجة نعم أو دراجة لا.
القضية الحقيقية هي:
هل تستطيع الدولة تنظيم وجودها أم أنها تختار أسهل الحلول: المنع؟
قرارات تتغير... وثقة المواطن تتراجع
المشكلة الأساسية ليست فقط في القرار نفسه، بل في حالة عدم الاستقرار التي ترافقه.
فقد يستيقظ المواطن على قرار يمنع استخدام الدراجات، ثم بعد فترة يسمع عن السماح بها، ثم تعود حملات الضبط والمنع من جديد.
وهنا يظهر السؤال:
إذا كان القرار صحيحاً، لماذا لا يستمر؟
وإذا كان خاطئاً، لماذا يصدر من الأساس؟
القوانين لا تنجح بمجرد الإعلان عنها، بل بوضوحها واستمراريتها وقدرة الجهات المعنية على تطبيقها.
الدولة بين مطرقة الفوضى وسندان الحاجة
الحكومة تجد نفسها أمام معادلة صعبة:
فمن جهة، هناك حاجة حقيقية للدراجات النارية بسبب أزمة النقل وارتفاع تكاليف المحروقات وصعوبة امتلاك السيارات.
ومن جهة أخرى، هناك ضرورة لضبط الفوضى وحماية السلامة العامة.
لكن الحل لا يكون بقرارات مؤقتة، لأن المنع الكامل قد يضر آلاف الأشخاص الذين يعتمدون عليها كمصدر رزق.
كما أن السماح الكامل دون تنظيم يفتح الباب أمام الفوضى.
لماذا تفشل القرارات على الأرض؟
لأن المشكلة غالباً ليست في صياغة القرار، بل في آلية التنفيذ.
فالقرار يحتاج إلى:
أما أن تكون هناك حملة قوية لأيام، ثم يختفي التطبيق، فهذا يجعل المواطن يفقد الثقة بالقانون.
المواطن يدفع ثمن التخبط
الشاب الذي اشترى دراجة ليعمل لا يعرف هل سيُسمح له باستخدامها غداً.
وصاحب مشروع التوصيل لا يستطيع التخطيط لمستقبله.
ورجل المرور يجد نفسه أمام تعليمات تتغير.
وفي النهاية يصبح الشارع هو المكان الذي تُختبر فيه القرارات المرتجلة.
الحل ليس في المنع... بل في التنظيم
هناك حلول أكثر واقعية من المنع المتكرر:
أولاً: إصدار قانون واضح وثابت
لا يتغير بتغير الظروف أو الحملات.
ثانياً: تنظيم الترخيص
كل دراجة يجب أن تكون معروفة ومسجلة.
ثالثاً: تشديد العقوبات على المخالفات وليس على وجود الدراجة نفسها
فالمشكلة في السلوك وليس في الوسيلة.
رابعاً: تخصيص مسارات أو مناطق مناسبة إن أمكن
لتخفيف الاحتكاك مع حركة السيارات.
خامساً: حملات توعية حقيقية
لأن القانون وحده لا يكفي دون تغيير ثقافة القيادة.
هات من الآخر...
المواطن لا يريد أن يعيش كل شهر مع قرار جديد.
لا يريد أن يستيقظ على خبر منع، ثم ينتظر خبراً آخر عن السماح.
الدولة القوية ليست التي تمنع كل شيء، وليست التي تسمح بكل شيء، بل التي تعرف كيف تنظم وتحاسب وتطبق القانون على الجميع.
الدراجة النارية ليست المشكلة.
المشكلة الحقيقية هي أن القرار عندما لا يُنفذ يفقد قيمته، والقانون عندما يتغير كثيراً يفقد هيبته.
هات من الآخر... الناس لا تطلب إلا وضوحاً:
إما قانون يُطبق... أو قرار لا يُعلن.