
لنضع كل العناوين جانباً، ولنبتعد عن لغة البيانات والتصريحات، ولنتحدث عن الحقيقة التي يعيشها المواطن السوري كل يوم: الأسعار تركض بسرعة أكبر من قدرة الناس على اللحاق بها، والراتب يقف في مكانه عاجزاً عن حماية صاحبه.
المواطن اليوم لا يحتاج إلى من يشرح له أسباب الغلاء، فهو يراه أمام عينيه في السوق، يلمسه في فاتورة الكهرباء، يشعر به في أسعار الغذاء والدواء والمواصلات، ويكتشفه عندما يقف أمام احتياجات أسرته محاولاً أن يختار بين الضروري والأكثر ضرورة.
هات من الآخر... المشكلة لم تعد في ارتفاع الأسعار فقط، بل في شعور المواطن أن الحلول الرسمية لا تزال تتحرك ببطء أمام أزمة تتحرك بسرعة البرق.
الحكومة تلاحق الأسعار... لكنها لا تمسك بها
كلما ارتفعت الأسعار خرجت الإجراءات المعتادة:
لكن السؤال الذي يفرض نفسه:
إذا كانت القوانين موجودة، والرقابة موجودة، والوزارات موجودة... فلماذا يشعر المواطن أن السوق أقوى من الدولة؟
المشكلة ليست فقط في وجود مخالفة هنا أو احتكار هناك، بل في غياب معالجة عميقة لجذر المشكلة.
فالاقتصاد لا يُدار فقط بالرقابة على البائع، بل بتوفير بيئة تجعل المواطن قادراً على الشراء، والتاجر قادراً على العمل ضمن قواعد واضحة، والإنتاج قادراً على المنافسة.
المواطن لا يأكل التصريحات
المواطن السوري لم يعد ينتظر بيانات طويلة عن "تحسن المؤشرات الاقتصادية"، لأنه يقيس الاقتصاد بطريقة مختلفة تماماً:
يقيسه بعدد أكياس الطعام التي يستطيع شراءها.
يقيسه بقدرته على دفع أجرة المنزل.
يقيسه عندما يمرض أحد أفراد أسرته.
يقيسه عندما يبدأ العام الدراسي ويكتشف تكلفة الكتب والملابس والمواصلات.
الأرقام الرسمية قد تحمل تفسيرات متعددة، لكن حياة الناس لا تحتمل التفسيرات.
هناك سؤال بسيط يختصر كل شيء:
هل يستطيع المواطن السوري اليوم أن يعيش بكرامة من دخله؟
القوانين وحدها لا تصنع سوقاً عادلاً
المشكلة ليست في نقص القوانين فقط، بل في قدرة هذه القوانين على تحقيق أثر حقيقي.
فالسوق لا يخاف من القانون المكتوب، بل يخاف من قانون يُطبق بعدالة وسرعة وشفافية.
عندما يشعر المواطن أن الأسعار ترتفع دون تفسير واضح، وأن بعض السلع تختفي ثم تعود بأسعار مختلفة، فإن الثقة بالسوق وبالإجراءات الرسمية تبدأ بالانخفاض.
والأخطر من ارتفاع الأسعار هو ارتفاع الإحساس بالعجز.
من يدفع ثمن الأزمة؟
كالعادة، يدفع المواطن البسيط الثمن الأكبر.
الموظف الذي لم يتغير راتبه بنفس سرعة الأسعار.
العامل الذي يعتمد على دخل يومي غير ثابت.
المتقاعد الذي أصبح يحسب مصاريفه بالليرة قبل أن يحسب أحلامه.
الشاب الذي يؤجل الزواج لأنه لا يستطيع تحمل تكاليف البداية.
أما الطبقة الوسطى، وهي العمود الفقري لأي مجتمع مستقر، فتتآكل يوماً بعد يوم.
المطلوب ليس حلولاً إسعافية... بل تغيير طريقة التفكير
الحلول الحقيقية لا تبدأ من مراقبة الأسعار بعد ارتفاعها، بل من منع أسباب ارتفاعها.
أولاً: رفع القدرة الشرائية للمواطن
لا يمكن مطالبة الناس بالصبر إلى ما لا نهاية بينما الفارق بين الدخل والمصروف يتسع.
ثانياً: دعم الإنتاج المحلي
البلد الذي ينتج غذاءه واحتياجاته الأساسية يكون أقل تعرضاً للصدمات.
ثالثاً: محاربة الاحتكار بجدية
ليس عبر حملات مؤقتة، بل عبر نظام رقابي واقتصادي دائم.
رابعاً: شفافية أكبر
المواطن يحتاج أن يعرف:
خامساً: إشراك الخبراء وأصحاب الاختصاص
الأزمات الاقتصادية لا تُحل فقط بالقرارات الإدارية، بل بالخبرة والتخطيط طويل المدى.
هات من الآخر...
المواطن السوري لا يطلب المستحيل.
لا يطلب قصوراً ولا رفاهية زائدة.
هو يريد فقط أن يعمل دون أن يشعر أن تعبه يضيع، وأن يستطيع تأمين أساسيات حياته دون أن يدخل في حرب يومية مع الأسعار.
الحكومة لا تُقاس بعدد القوانين التي تصدرها، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس.
فالشارع لا يسأل عن عدد الاجتماعات التي عُقدت، بل يسأل عن سؤال واحد:
متى يصبح الراتب قادراً على مواجهة السوق؟
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس ارتفاع الأسعار فقط، بل أن يفقد المواطن ثقته بأن الغد سيكون أفضل.
هات من الآخر... الناس صبرت كثيراً، لكن الصبر وحده لا يطعم عائلة ولا يبني مستقبلاً.