
الأسرة هي المكان الأول الذي يتعلم فيه الطفل معنى الأمان والانتماء وقيمة الذات. ففي السنوات الأولى من حياته لا يبني الطفل صورته عن نفسه من خلال قدراته فقط، بل من خلال الطريقة التي ينظر بها إليه أقرب الناس إليه، وعلى رأسهم الوالدان.
لكن عندما يشعر الطفل بأن هناك تفضيلاً واضحاً بينه وبين إخوته، سواء بسبب الجنس أو العمر أو ترتيب الميلاد، أو عندما يتعرض للعنف الجسدي أو النفسي داخل المنزل، فإنه قد يحمل داخله أسئلة مؤلمة:
"لماذا أخي أو أختي أفضل مني؟"
"هل أنا أقل قيمة؟"
"هل الحب يجب أن أكسبه بالخوف أو الطاعة؟"
هذه التجارب لا تمر دائماً دون أثر، فقد تؤثر على شخصية الطفل، وثقته بنفسه، وطريقة تعامله مع الآخرين في المستقبل.
قد لا يكون التمييز دائماً واضحاً أو مقصوداً، لكنه يظهر أحياناً في صور مختلفة مثل:
وقد يعتقد بعض الآباء أن الطفل الصغير "لا يفهم"، لكن الأطفال يلتقطون المشاعر والتصرفات بسرعة كبيرة، وقد يشعرون بالرفض حتى دون كلمات مباشرة.
يقول اختصاصي طب الأطفال:
"مرحلة الطفولة ليست فقط مرحلة نمو جسدي، بل هي مرحلة بناء للدماغ والجهاز العصبي. البيئة العاطفية التي يعيش فيها الطفل تؤثر بشكل كبير على تطوره النفسي والسلوكي."
ويضيف:
"التعرض المستمر للخوف أو التوتر داخل المنزل قد يؤدي إلى ارتفاع مستويات الضغط النفسي لدى الطفل، وهذا قد ينعكس على النوم، والتركيز، والمناعة، والسلوك العام."
ومن الآثار التي قد تظهر لدى الأطفال الذين يعيشون في بيئة مليئة بالتمييز أو العنف:
فالطفل لا يحتاج فقط إلى الغذاء والرعاية الصحية، بل يحتاج أيضاً إلى بيئة يشعر فيها بالأمان والقبول.
يرى علماء النفس أن السنوات الأولى من حياة الطفل تشكل أساس مفهومه عن ذاته.
ويقول اختصاصي علم النفس:
"عندما يشعر الطفل بأنه أقل قيمة من إخوته، قد يبدأ بتكوين اعتقاد داخلي بأنه غير محبوب أو غير كافٍ، وهذا الاعتقاد قد يؤثر على ثقته بنفسه وعلاقاته عندما يكبر."
ويضيف:
"العنف لا يعلم الطفل الانضباط كما يعتقد البعض، بل قد يعلمه أن القوة هي الطريقة لحل المشكلات، أو يجعله يخاف من التعبير عن مشاعره."
وقد يظهر تأثير التمييز والعنف من خلال:
يختصر البعض العنف في الضرب أو الأذى الجسدي، لكن العنف الأسري له أشكال أخرى قد تكون عميقة التأثير:
مثل الإهانة، السخرية، أو وصف الطفل بصفات تقلل من قيمته.
مثل التهديد المستمر، التخويف، التجاهل، أو جعله يشعر بأنه غير مرغوب فيه.
مثل قول: "انظر إلى أخيك، هو أفضل منك"، وهي عبارات قد تبقى في ذاكرة الطفل لسنوات طويلة.
فالطفل قد ينسى العقاب الذي تعرض له، لكنه قد لا ينسى الشعور الذي تركه داخله.
يرى المختصون في التربية أن العدل بين الأبناء لا يعني إعطاء الجميع الأشياء نفسها في كل وقت، بل يعني أن يشعر كل طفل بأنه محبوب ومهم وله مكانته الخاصة.
ومن الأساليب التربوية الصحيحة:
قد تكون الأسباب مرتبطة بعوامل مختلفة، منها:
لكن فهم السبب لا يعني تبرير السلوك، فمسؤولية الوالدين هي حماية جميع الأبناء ومنحهم الشعور بالأمان.
نعم، فالطفل قادر على التعافي عندما تتغير البيئة من حوله ويحصل على الدعم المناسب.
ومن أهم خطوات الإصلاح:
الطفل لا يتذكر فقط ما أعطيته له… بل يتذكر كيف جعلته يشعر.
قد ينسى لعبة لم يحصل عليها، لكنه قد يتذكر سنوات شعر فيها أن أخاه أو أخته أهم منه.
وقد ينسى كلمة غضب عابرة، لكنه قد يحمل أثرها إذا تكررت وأصبحت جزءاً من صورته عن نفسه.
الأبناء لا يحتاجون إلى أب أو أم مثاليين، بل يحتاجون إلى والدين عادلين، آمنين، يعلمانهم أن قيمتهم ليست مرتبطة بجنسهم أو مقارنتهم بغيرهم.
والسؤال الذي يجب أن يطرحه كل أب وأم:
هل نربي أبناءنا ليشعروا بالخوف منا… أم ليشعروا بالأمان معنا؟