
ين تعلنُ منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو" في تقرير لها قبل أيام أن نحو 13.4 مليون سوري يعانون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، فإن ذلك مؤشر خطير يعكس عمق المأساة الإنسانية المستمرة في البلاد، وبالتالي فإن شبح الجوع والعوز يخيّم على الأغلب الأعمّ من الشعب السوري!!.
وفيما لو نزلنا إلى الشارع، وعاينا الواقع على حقيقته، فإننا سنكتشفُ أن عشرات آلاف المتسولين، ومثلهم "نباشو القمامة"، والعاملون بأجر يومي، حتى لو كانت أشغالاً شاقة، والشباب العاطلون عن العمل، والأسر التي عادت إلى بلداتها ومدنها المدمرة، يشكلون العدد الأكبر من هذا الرقم المرعب (13.4 مليون سوري جائع)!!.
بالتأكيد لن نتهم الحكومة أو وزاراتها ودوائرها المعنية، أو نلوم منظمات وجمعيات ومؤسسات المجتمع الأهلي، بل سنقرع في "دراما المواطن" جرس الإنذار"، وندعو الجميع بصوتٍ عالٍ إلى وقفة مسؤولة، ولاسيما أن البلاد التي أنهكتها الحرب تحتاج إلى 5 سنوات على الأقل لتدخل مرحلة التعافي.
وبقراءة متأنية لتقرير "الفاو" والأسباب التي استند إليها، فإنه يشير إلى أن سوريا تواجه أزمة غذائية خانقة تطال أكثر من نصف السكان، وسط تحذيرات أممية من انهيار القطاع الزراعي الذي "يقف عند منعطف مفصلي" بعد سنوات الحرب والجفاف المتكرر والصعوبات الاقتصادية، وأن أنظمة الري المتضررة والخدمات الضعيفة والأسواق المضطربة والتلوث الواسع النطاق بالألغام والأجسام المتفجرة، كلها عوامل فاقمت انهيار القطاع، خاصة وأنه تمّ تسجيل 1299 حادثاً منذ نهاية العام 2024، أوقعت 2325 ضحية، وتركزت بشكل خاص في الأراضي الزراعية ومناطق الرعي.
كما بيّن التقرير أن "الفاو" تسعى من خلال "خطة عمل الطوارئ والتعافي في سوريا 2026-2028" إلى الوصول إلى 9.8 ملايين شخص، وتحتاج الخطة إلى تمويل يبلغ 286 مليون دولار لتحقيق أهدافها، مع ضرورة مواصلة دعم المزارعين ومربي المواشي والمجتمعات الريفية لكي يتمكن القطاع الزراعي من ضمان الأمن الغذائي، ومساعدة سوريا على الانتقال من حالة الطوارئ إلى تعافٍ مستدام.
أما الإجراءات الحكومية العاجلة والإسعافية فتجسدت بإعلان هيئة التخطيط والإحصاء السورية بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي WFP، أنها بدأت أول أمس بإقامة دورات تدريبية للفرق الميدانية لمسح الأمن الغذائي في عدد من المحافظات، تتعلق بـ"مسح تقييم الأمن الغذائي الأسري في سوريا لعام 2026 المرحلة العاشرة"، وتحديد الأسر الأكثر هشاشة واحتياجاً، والتدخلات الحكومية والمساعدات الإنسانية المقدمة للأسر السورية، والبحث في محاور متخصصة تتعلق بمؤشرات الأمن الغذائي وقياس شدة الجوع ومؤشر استهلاك الغذاء واستراتيجيات التكيّف التي تلجأ إليها الأسر عند نقص الغذاء.
لكن السؤال هنا: هل تكفي هذه الإجراءات الإسعافية لمواجهة الجوع والحدّ من مشكلة انعدام الأمن الغذائي الحاد؟ أو أن نترك القطاع الزراعي وعشرات آلاف هكتارات المراعي التي تعجّ بالألغام والأجسام المتفجرة للمجهول؟؟... بالتأكيد لا، فالأمر أمام تقرير "الفاو" يستدعي خططاً ميدانية والتشبيك مع المنظمات الدولية بأقصى سرعة، والأهم إعداد بيانات حقيقية عن الأسر المحتاجة وتقديم سلات غذائية شهرية، والأكثر أهمية –باعتقادنا- التخفيف من مزاعم وادّعاءات بعض وسائل الإعلام، وصفحات المطبلين على "تيك توك ويوتيوب" أن السوريين يرتادون أفخر المطاعم والمتنزهات، ويتناولون ألذ الوجبات، وأن أمورهم الحياتية "عال العال"!!!.